الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
22
نفحات القرآن
المؤمنين المخلصين ، فسلكوا الطريق إلى الحقّ مهتدين بنور إيمانهم وتقواهم إلى أن بلغوا الصراط المستقيم ، بينما بقي الآخرون غارقين في ظلمات الاختلاف . وطبقاً لهذا التفسير ، فالامّة الواحدة التي ظهرت أوّلًا كانت على الحقّ ، لكنّ محدودية إدراك العقل البشري كانت سبباً في الاختلافات ، ثمّ أعلن الأنبياء عليهم السلام عن خاتمة هذه الاختلافات عن طريق الوحي المعصوم من الخطأ ، لكنّ هوى النفس والميول والتكبّر والعجب كان السبب وراء بروز اختلافات جديدة ، ولم ينج من هذه الاختلافات سوى المؤمنين الصالحين . والدليل على هذا التفسير هو مضمون الآية التي تذكر نوعين من الاختلاف في الامّة ، الاختلاف الذي كان السبب في بعثة الأنبياء عليهم السلام وذلك لرفعه ، والاختلاف الذي ظهر بعد نزول الكتب السماوية والبيّنات ، أمّا إصرار بعض المفسّرين على كون هذه الامّة الواحدة ضالّة منحرفة بمجموعها منذ البداية ، لا ينسجم مع لحن الآية وفطرةِ الإنسان التوحيدية التي يصرّح بها القرآن ( خصوصاً تلك الفطرة الملموسة عند الناس السذّج في أوّل الخلقة الذين لم تكن الميول والرغبات النفسانية قد هيمنت عليهم بشكل خطير بعد ) . أمّا فيما يتعلّق بالعصر الذي استوعب المجتمع البشري الأوّل الذي عبّر عنه القرآن ب « الامّة الواحدة » ، فقد ذهب البعض إلى أنّه إشارة إلى الفترة ما قبل بعثة نوح عليه السلام وبعد هبوط آدم عليه السلام وبناءً على هذا ف « الامّة الواحدة » هي نفس تلك الامّه التي ظهرت منذ زمن تناسل ذرّية آدم عليه السلام ، والتي كان الإيمان والتوحيد حاكمين عليها إلى أن اتّسعت فيها آثار الشرك يوماً بعد آخر ، بسبب الجهل وقلّة المعرفة ، ممّا هيّأ الأرضية المناسبة لرسالة نوح عليه السلام . ومن الطبيعي أنّ استثناءً من قبيل وجود « قابيل » بين أولاد آدم عليه السلام لا يحول دون إطلاق كلمة « الامّة الواحدة » على مجموعة أولاده ، وهناك احتمالات أخرى حول هذا الموضوع لا تفي بالغرض بحسب الظاهر . على أيّة حال يستفاد من مجموع ما جاء حول تفسير الآية أعلاه أنّ أحد أهداف بعثة الأنبياء عليهم السلام هو رفع الاختلافات الناشئة من جهل الناس ، ولا يخفى أيضاً أنّ الاختلافات